علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

8

البصائر والذخائر

حاجتك إلى ما يزينك بعد كمالك ؟ اعلم أن الأقطع يحتاج إلى كمّ لقميصه لا ليتمّ ولكن للزينة . ولا تطلب العلم إلّا بعد أن تعشق الحقّ عشقا ، وتموت على الحجّة موتا ، وتنفر من الباطل نفورا ، وتمقت الشّبهة مقتا ، فعند ذلك ترى التواضع لأهله عزّا والتكبّر عليهم ذلّا في نفسك ، وترى مبذولك فيه دون منالك منه ، وراحتك به أتمّ من تعبك عليه ؛ وحينئذ ترى العمل زادا ، والإخلاص عتادا . وأسّ « 1 » هذه الفضائل وقاعدة هذه المحاسن الزّراية على نفسك ، والتودّد إلى بني جنسك ، والإقبال على يومك دون الأسف على أمسك ، وقطع حبائل الدنيا عن قلبك ، والتوجّه في السرّ والجهر إلى ربّك ، وبعض هذا كاف لمن سبقت له من اللّه الحسنى ، وأمّل حسن العقبى . ففرّوا إلى اللّه تعالى جميعا ودعوا مزابل الدنيا لكلابها المتناهسة « 2 » ، فإنّ الدنيا تنكل طالبها ، وتغصّ شاربها ، وتذبح عاشقها والغالي في حبّها . أنا سمعت بدويا من ناحية فيد حين قتل الوزير ابن برمويه « 3 » يقول لصاحب له : أعندك الخبر ؟ قال : لا واللّه ؛ قال : إنّ هذا الوزير الشرّير قد ذبح ، قال : ما تقول ؟ قال : هو ما أقول لك ، ثم أطرق هنيهة وقال : واللّه ما علا حتى ساخ « 4 » ، ولا غلا « 5 » حتى باخ « 6 » ؛ نعوذ باللّه من سوء العاقبة وشماتة ابن

--> ( 1 ) ص : وأسر ؛ والأسّ : الأساس والأصل . ( 2 ) النهس : القبض على اللحم ونتره وانتزاعه بالثنايا للأكل . ( 3 ) هو أبو الحسن أحمد بن محمد بن برمويه ؛ كان خصيا اشتراه عضد الدولة البويهي فخدمه ، وما لبث أن توصل إلى منصب كاتب والدة صمصام الدولة بسعي عبد العزيز بن يوسف الكاتب ، وفي سنة 375 وزر لصمصام الدولة بالاشتراك مع ابن يوسف ، ثم دب التعادي بين الاثنين ، وتقلبت بهما الأحوال بين مهزوم ومنتصر ( انظر : ذيل تجارب الأمم : 102 - 106 ) . وقد ذكر أبو حيان ابن برمويه غير مرة في كتابه الإمتاع والمؤانسة ( انظر 1 : 42 و 43 و 3 : 198 ) ؛ إلا أننا لا نعرف سنة وفاته على التحديد . ( 4 ) ساخ : غاص في الأرض . ( 5 ) ص : علا . ( 6 ) باخ : سكن وفتر .